حسن عيسى الحكيم

81

المفصل في تاريخ النجف الأشرف

( قد عرفتم هذه الأعاجم ، وقرب جوار العرب منها ، وقد سمعت من كسرى مقالات تخوّفت أن يكون لها غور ، ويكون الخراج إليه كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله . فاقتصّ عليهم بمقالات كسرى وما ردّ عليه ) « 1 » . وفي قصر الخورنق تمّ الاتفاق بين النعمان بن المنذر وبين زعماء القبائل العربية على مقابلة كسرى ومخاطبته بلسان عربي رصين ، لكي يغيّروا نظرته الحاقدة تجاه العرب ( وليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدّثته نفسه ) . وتبرز في ( مؤتمر قصر الخورنق ) ثقة القبائل العربية بالنعمان بن المنذر ، ومدى ارتباطها به في سبيل جمع الكلمة ورصّ الصفوف ، من أجل إيقاف الخطر الفارسي أو مقاومته . ولكن الملك الفارسي كسرى أبرويز كان يمتلك من القوّة والنفوذ ما يفوق القوة العربية ، وقد مكّنته قوّته تلك من اعتقال النعمان وإيداعه السجن ، وتعيين إياس بن قبيصة الطائي ملكا على الحيرة . وكان ابن قبيصة شخصية ضعيفة مهزوزة ، وقد ساندته قوة فارسية في سبيل تثبيت حكمه . وأشار المؤرخ المسعودي إلى مقتل النعمان بن المنذر ، فأورد روايتين إحداهما أنه ألقي تحت أرجل الفيلة ، وثانيهما أنه مات في السجن المعروف بسجن ( ساباط ) « 2 » . وقد أنشد الأعشى قائلا « 3 » : فذاك وما أنجى من الموت ربه * بساباط حتى مات وهو محزرق ويبدو أن إياس بن قبيصة لم يشغل المكان الذي كان النعمان يشغله في مملكة الحيرة ، ولم يطق الناس وجوده ، مما اضطر الفرس إلى إسناده بحامية عسكرية قوية ولكنه ، على الرغم من ذلك ، لم يستطع جلب القلوب إليه ، فظلّ الناس كارهين للفرس « 4 » . وعند ذلك أخذ العداء يتصاعد بين العرب والفرس فأدّى أخيرا إلى نشوب

--> ( 1 ) الآلوسي : بلوغ الأرب 1 / 151 . ( 2 ) المسعودي : مروج الذهب 2 - 101 ، 102 . ( 3 ) الأعشى : الديوان ص 33 . ( 4 ) العلي : محاضرات في تاريخ العرب 1 / 68 .